فصل: فصل: (في الرد)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الاختيار لتعليل المختار ***


كتاب الفرائض

وهي جمع فريضة فعيلة من الفرض، وهو في اللغة‏:‏ التقدير والقطع والبيان‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏فنصف ما فرضتم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 237‏]‏ أي قدرتم، ويقال‏:‏ فرض القاضي النفقة‏:‏ أي قدرها، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏سورة أنزلناها وفرضناها‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 1‏]‏ أي بيناها، ويقال‏:‏ فرضت الفأرة الثوب‏:‏ إذا قطعته‏.‏ والفرض في الشرع‏:‏ ما ثبت بدليل مقطوع به كالكتاب والسنة المتواترة والإجماع، وسمي هذا النوع من الفقه فرائض لأنه سهام مقدرة مقطوعة مبينة ثبتت بدليل مقطوع به فقد اشتمل على المعنى اللغوي أو الشرعي، وإنما خص بهذا الاسم لوجهين‏:‏ أحدهما أن الله تعالى سماه به، فقال بعد القسمة‏:‏ ‏{‏فريضة من الله ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 11‏]‏‏.‏ والنبي عليه الصلاة والسلام أيضا سماه به فقال‏:‏ ‏(‏تعلموا الفرائض‏)‏ والثاني أن الله تعالى ذكر الصلاة والصوم وغيرهما من العبادات مجملا ولم يبين مقاديرها، وذكر الفرائض وبين سهامها وقدرها تقديرا لا يحتمل الزيادة والنقصان، فخص هذا النوع بهذا الاسم لهذا المعنى، والإرث في اللغة البقاء، قال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏إنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم‏)‏ أي على بقية من بقايا شريعته، والوارث الباقي وهو من أسماء الله تعالى‏:‏ أي الباقي بعد فناء خلقه، وسمي الوارث لبقائه بعد المورث‏.‏ وفي الشرع‏:‏ انتقال مال الغير إلى الغير على سبيل الخلافة، فكأن الوارث لبقائه انتقل إليه بقية مال الميت‏.‏ ومن شرف هذا العلم أن الله تولى بيانه وقسمته بنفسه وأوضحه وضوح النهار بشمسه فقال‏:‏ ‏{‏يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 11‏]‏ إلى آخر الآيتين، وقال سبحانه‏:‏ ‏{‏يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 176‏]‏ إلى آخر الآية، فبين فيها أهم سهام الفرائض ومستحقيها، والباقي يعرف بالاستنباط لمن تأمل فيها، والنبي عليه الصلاة والسلام أمر بتعليمها وخص عليه فقال‏:‏ ‏(‏تعلموا الفرائض وعلموها الناس فإنها نصف العلم، وأنها أول علم يدرس‏)‏ وفي رواية ‏(‏أول علم ينتزع من أمتي‏)‏ والأحاديث والآثار في فضله كثيرة‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏يبدأ من تركة الميت بتجهيزه ودفنه على قدرها، ثم تقضى ديونه، ثم تنفذ وصاياه من ثلث ماله، ثم يقسم الباقي بين ورثته‏)‏ فهذه الحقوق الأربعة تتعلق بتركة الميت على هذا الترتيب‏.‏ أما البداية بتجهيزه ودفنه فلأن اللباس وستر العورة من الحوائج اللازمة الضرورية وأنها مقدمة على الديون والنفقات وجميع الواجبات في حالة الحياة، فكذا بعد الممات وبالإجماع إلا حقا تعلق بعين كالرهن والعبد الجاني، فإن المرتهن وولي الجناية أولى به من تجهيزه، لأنهما أحق بذلك في حالة الحياة من الحوائج الأصلية كستر العورة والطعام والشراب، فكذا بعد وفاته، ويكفن في مثل ما كان يلبسه من الثياب الحلال حال حياته على قدر التركة من غير تقتير ولا تبذير اعتبارا لإحدى الحالتين بالأخرى، ويقدم على الوصية، لأن الوصية تبرع واللازم أولى، وعلى الورثة لأن المال إنما ينتقل إليهم عند غنائه، ألا ترى أن حال حاجته وهي مدة حياته لا ينتقل إليهم ‏؟‏ قال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏ابدأ بنفسك ثم بمن تعول‏)‏ ثم تقضى ديونه من جميع ما بقي من ماله لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ من بعد وصية يوصي بها أو دين‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 11‏]‏ وأنه يقتضي تأخر القسمة عن الدين والوصية، ولا يقتضي تقدم أحدهما على الآخر، فإن من قال‏:‏ أعط زيدا بعد عمرو أو بكر لا يقتضي تقدم أحدهما على الآخر لكن يقتضي تأخر زيد عنهما في الإعطاء فكانت الآية مجملة، وقد بلغنا أن النبي عليه الصلاة والسلام قدم الدين على الوصية فكان بيانا لحكم الآية، رواه عنه علي رضي الله عنه، ولأن الدين مستحق عليه، والوصية تستحق من جهته، والمستحق عليه أولى لأنه مطالب به، لأن فراغ ذمته من أهم حوائجه، قال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏الدين حائل بينه وبين الجنة‏)‏ ولأن أداء الفرائض أولى من التبرعات، ثم تنفذ وصاياه من ثلث ماله بعد قضاء الدين، فإن كانت الوصية بعين تعتبر من الثلث وتنفذ، وإن كانت بجزء شائع كالثلث والربع فالموصى له شريك الورثة يزداد نصيبه بزيادة التركة وينقص بنقصانها فيحسب المال ويخرج نصيب الوصية كما يخرج نصيب الوارث وتقدم على قسمة التركة بين الورثة لما تلونا، فإن اللفظ يقتضي تأخر القسمة عن الدين والوصية عملا بكلمة ‏(‏بعد‏)‏ ثم يقسم الباقي بين ورثته على فرائض الله تعالى للآيات الثلاث‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ويستحق الإرث برحم ونكاح وولاء‏)‏ أما الرحم والنكاح فبالكتاب والإجماع، وأما الولاء فلما يأتي إن شاء الله تعالى ‏(‏والمستحقون للتركة عشرة أصناف مرتبة‏:‏ ذوو السهام، ثم العصبات النسبية، ثم السببية وهو المعتق، ثم عصبته، ثم الرد، ثم ذوو الأرحام، ثم مولى الموالاة، ثم المقر له بنسب لم يثبت‏)‏ وقد ذكر في الإقرار ‏(‏ثم الموصى له بما زاد على الثلث‏)‏ وقد مر في الوصايا ‏(‏ثم بيت المال‏)‏ لأن المال متى خلا عن مستحق ومالك فمصرفه بيت المال كاللقطة والضال، وسنذكر لكل صنف فصلا نبين فيه حكمه إن شاء الله تعالى‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏والمانع من الإرث‏:‏ الرق والقتل، واختلاف الملتين، واختلاف الدارين حكما‏)‏ على ما يأتيك بتوفيق الله تعالى‏.‏

فصل في ذوي السهام

وهم أصحاب الفروض، وهم كل من كان له سهم مقدر في كتاب الله تعالى أو في سنة رسوله عليه الصلاة والسلام أو بالإجماع، ويبدأ بهم، لقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت فلأولي عصبة ذكر‏)‏ وهم اثنا عشر نفرا‏:‏ عشرة من النسب، واثنان من السبب‏.‏ أما العشرة من النسب‏:‏ فثلاثة من الرجال، وسبعة من النساء‏.‏ أما الرجال فالأول الأب، وله ثلاثة أحوال‏:‏ الفرض المحض، وهو السدس مع الابن وابن الابن وإن سفل، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 11‏]‏ والتعصيب المحض، وذلك عند عدم الولد وولد الابن، قال تعالى‏:‏‏)‏ فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 11‏]‏ فعلمنا أن الباقي للأب وهو آية العصوبة والتعصيب والفرض، وذلك مع البنت وبنت الابن فله السدس بالفرض، والنصف للبنت، أو الثلثان للبنتين فصاعدا والباقي له بالتعصيب لقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏فما أبقت فلأولي عصبة ذكر‏)‏ والثاني الجد‏.‏ والمراد الجد الصحيح وهو الذي لا يدخل في نسبته إلى الميت أنثى، وهو بمنزلة الأب عند عدمه على ما يذكر في بابه إن شاء الله تعالى، ولأن اسم الأب ينطلق عليه، قال تعالى خبرا عن يوسف عليه السلام‏:‏ ‏{‏واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحق‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 38‏]‏ وإسحق جده وإبراهيم جد أبيه‏.‏ والثالث الأخ لأم وله السدس وللاثنين فصاعدا الثلث وإن اجتمع الذكور والإناث استووا في الثلث، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 12‏]‏ وقرأ أبيّ وسعد بن أبي وقاص - وله أخ أو أخت لأم - وقراءتهما كروايتهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فألحق بيانا له، وعليه إجماع الصحابة رضي الله عنهم‏.‏ وأما النساء فالأولى البنت ولها النصف إذا انفردت، وللبنتين فصاعدا الثلثان، قال تعالى‏:‏ ‏{‏فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 11‏]‏‏.‏ قال عامة المفسرين‏:‏ المراد الثنتان فصاعدا، وفي الآية تقديم وتأخير تقديره‏:‏ وإن كن نساء اثنتين فما فوقهما، ونظيره قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاضربوا فوق الأعناق ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 12‏]‏ أي الأعناق فما فوقها، وقيل فوق زائدة في الآيتين، وعلى ذلك عامة العلماء، إلا ما روي عن ابن عباس أنه قال‏:‏ للواحدة النصف، وللثنتين النصف، وما زاد فلهن الثلثان عملا بظاهر اللفظ، وجوابه أنه احتمل أن يراد ما ذكر، واحتمل ما ذكرنا فوقع الشك فاحتجنا إلى مرجح من خارج وهو معنا في صريح السنة، وهو ما روي أن سعد بن الربيع استشهد يوم أحد وترك ابنتين وأخا وامرأة، فأخذ أخوه المال وكان إذاك يرث الرجال دون النساء، فجاءت زوجته إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقالت‏:‏ يا رسول الله إن هاتين ابنتا سعد قتل يوم أحد وأخذ عمهما المال ولا ينكحان إلا ولهما مال، فقال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏ارجعي فلعل الله تعالى أن يقضي في ذلك‏)‏ فنزلت هذه الآية، فبعث عليه الصلاة والسلام إلى عمهما أن أعطهما ثلثي المال ولأمهما ثمنه والباقي لك فكانت أول ميراث قسم في الإسلام، ولأن البنت تستحق الثلث مع الابن وهو أقوى حالا منها فلأن تستحقه مع البنت وهي مثلها في القوة والاستحقاق كان أولى، ولأنا أجمعنا على أن الأختين يستحقان الثلثين، فلأن يستحقهما البنتان وهما أقرب وألزم كان أولى‏.‏ الثانية‏:‏ بنت الابن وللواحدة النصف وللثنتين فصاعدا الثلثان، فهن كالصلبيات عند عدم ولد الصلب، لأن اسم الولد ينطلق عليهن حقيقة وشرعا، فإن كان السبب في توليدهن إلا أن أولاد الابن يدلون إلى الميت بالابن وبسببه يرثون فيحجبون به كالجد مع الأب والجدات مع الأم، ولا يلزم أولاد الأم حيث يرثون مع الأم وإن كانوا يدلون بها، لأن السبب مختلف فإن الأم ترث بالأمومة وهي بالأخوة ولأنها تستحق جميع التركة، وللواحدة فصاعدا من بنات الابن السدس مع الصلبية تكملة الثلثين لما روى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ‏(‏أن النبي عليه الصلاة والسلام قضى في بنت وبنت ابن وأخت للبنت النصف ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين وللأخت الباقي‏)‏ وبنت ابن الابن مع بنت الابن كبنت الابن مع الصلبية، وإذا استكملت البنات الثلثين سقط بنات الابن، لأن حق البنات في الثلثين بنص الكتاب، وبنات الابن يرثن بالبنتية عند عدم ولد الصلب، فإذا استكملت الصلبيات الثلثين لم يبق لجهة البنتية نصيب فسقط بنات الابن، إلا أن يكون في درجتهن أو أسفل منهن ذكر فيعصبهن فيكون الباقي بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين؛ مثاله بنتان وبنت ابن للبنتين الثلثان، ولا شيء لبنت الابن؛ وإن كان مع بنت الابن أخوها أو ابن عمها فللبنتين الثلثان ولبنت الابن وأخيها أو ابن عمها الباقي للذكر مثل حظ الأنثيين‏.‏ بنتان وبنت ابن وبنت ابن ابن وابن ابن ابن، للبنتين الثلثان والباقي بين بنت الابن ومن دونها للذكر مثل حظ الأنثيين؛ ولو ترك ثلاث بنات ابن بعضهن أسفل من بعض وثلاث بنات ابن ابن بعضهن أسفل من بعض، وثلاث بنات ابن ابن ابن بعضهن أسفل من بعض، وصورته إذا كان لابن الميت ابن وبنت، ولابن ابنه ابن وبنت، ولابن ابن ابنه ابن وبنت، فمات البنون وبقي البنات، وكذلك ثلاث بنات ابن ابن ابن، وهذه صورتها‏:‏ ميت ابن ابن ابن ابن بنت ابن ابن ابن بنت ابن بنت ابن ابن بنت ابن بنت ابن بنت ابن بنت ابن بنت ابن بنت فالعليا من الفريق الأول لا يوازيها أحد، والوسطى من الفريق الأول توازيها العليا من الفريق الثاني، والسفلى من الفريق الأول توازيها الوسطى من الفريق الثاني، والعليا من الفريق الثالث والسفلى من الفريق الثاني توازيها الوسطى من الفريق الثالث، والسفلى من الفريق الثالث لا يوازيها أحد، فللعليا من الفريق الأول النصف والسدس تكملة الثلثين للوسطى من الفريق الأول، والعليا من الفريق الثاني لاستوائهما في الدرجة ولا شيء للباقيات، فإن كان مع العليا من الفريق الأول غلام فالمال بينه وبينها للذكر مثل حظ الأنثيين وسقط الباقيات، وإن كان مع الوسطى من الفريق الأول غلام فالنصف للعليا من الفريق الأول، والباقي بين الغلام ومن في درجته للذكر مثل حظ الأنثيين، وإن كان مع السفلى من الفريق الأول فالنصف للعليا من الفريق الأول والسدس للوسطى منه مع من يوازيها تكملة الثلثين والباقي بين الغلام ومن يوازيه للذكر مثل حظ الأنثيين وسقط الباقيات وإن كان مع السفلى من الفريق الثاني فالنصف للعليا من الفريق الأول، والسدس تكملة الثلثين للوسطى منه ولمن يوازيها، والباقي بين الغلام ومن يوازيه ومن هو أعلى منه ممن لا فرض له للذكر مثل حظ الأنثيين وسقط الباقيات وعلى هذا‏.‏ والأصل في هذا أن بنت الابن تصير عصبة بابن الابن سواء كان في درجتها أو أسفل منها إذا لم تكن صاحبة فرض، لأن الجارية التي توازي الغلام إنما ورثت بسبب الغلام بعد استكمال الصلبيات الثلثين لأنها لولاه لما ورثت، فلأن ترث بسبب جارية أقرب منه إلى الميت كان أولى‏.‏ وأما صاحبة الفرض فقد استقلت بالفرض فلا تصير تابعة لمن هو أسفل منها في الاستحقاق، وهذا الفصل يسمى التشبيب، إما لأن التشبيب الوصف والبيان، ومنه التشبيب في الشعر لأنه ذكر وصف النساء وبيان صفاتهن، أو لترتيب درجات بنات الابن بنتا تحت بنت كأنجاش الشبابة، وهذه نبذة منه، والباقي يعرف بالتأمل، والقياس عليه‏.‏ والثالثة‏:‏ الأم، ولها ثلاثة أحوال‏:‏ السدس مع الولد وولد الابن واثنين من الإخوة والأخوات من أي جهة كانوا، والثلث عند عدم هؤلاء، قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 11‏]‏ وقال ابن عباس‏:‏ إنما يحجبها من الثلث إلى السدس ثلاثة من الإخوة فصاعدا نظرا إلى لفظ الجمع، وجوابه أن الجمع يذكر بمعنى التثنية، قال تعالى‏:‏ ‏{‏فقد صغت قلوبكما‏}‏ ‏[‏التحريم‏:‏ 4‏]‏ ولأن الجمع من الاجتماع وأنه يتحقق باجتماع الاثنين‏.‏ وروي أن ابن عباس قال لعثمان رضي الله عنهما‏:‏ إن الله تعالى حجب بالإخوة، والاثنان في اللسان ليسا بإخوة فقال‏:‏ قد كان ذلك قبلي فلا أستطيع أن أدرأه، فدل أنه كان إجماعا‏.‏ وثلث ما يبقى بعد فرض الزوج والزوجة في مسألتين‏:‏ زوج وأبوان، أو زوجة وأبوان لها في المسألة الأولى السدس وفي الثانية الربع، وتسميان العمريتين، لأن عمر رضي الله عنه أول من قضى فيهما‏.‏ وخالف ابن عباس فيهما جميع الصحابة فقال‏:‏ لها الثلث نظرا إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلأمه الثلث ‏(‏ولنا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وورثه أبواه فلأمه الثلث‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 11‏]‏ جعل لها ثلث ما يرثه الأبوان، وإنما يرثان في هاتين المسألتين الباقي بعد فرض الزوجين فيكون لها ثلثه وهو ما ذكرنا، ولأنا لو أعطيناه ثلث الكل أدى إلى تفضيل الأنثى على الذكر مع استوائهما في سبب الاستحقاق والقرب وأنه خلاف الأصول، ولو كان مكان الأب جد في المسألتين فلها الثلث كاملا، وفيه رواية أخرى تأتي في باب الجد إن شاء الله تعالى، ووجهه أنها أقرب من الجد لأنها تدلي إلى الميت بغير واسطة والجد يدلي بواسطة الأب، والتفاضل يجوز عند اختلاف القرب كزوجة وأخت لأبوين وأخ لأب، للزوجة الربع، وللأخت النصف، وللأخ ما بقي وهو الربع‏.‏ والرابعة‏:‏ الجدة الصحيحة كأم الأم وإن علت، وأم الأب وإن علا وكل من يدخل في نسبتها أب بين أمين فهي فاسدة، وللواحدة الصحيحة السدس لما روي‏:‏ أن جدة أم أم جاءت إلى أبي بكر رضي الله عنه وطلبت ميراثها فقال‏:‏ لا أجد لك في كتاب الله شيئا ولم أسمع فيك من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا فارجعي حتى أسأل لك أصحابي أو أرى فيك رأيي، فصلى الظهر ثم خطب فقال‏:‏ هل سمع أحد منكم شيئا في الجدة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏؟‏ فقام المغيرة بن شعبة رضي الله عنه فقال‏:‏ أشهد أني أشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قضى للجدة السدس، وفي رواية‏:‏ أطعم الجدة السدس، فقال‏:‏ هل معك شاهد آخر ‏؟‏ فقال محمد بن مسلمة‏:‏ أنا أشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل ما شهد به المغيرة، فقضى لها بالسدس‏.‏ وجاءت أم أب في زمن عمر رضي الله عنه فقضى لها بالسدس، ولو اجتمعن وتحاذين فلهن السدس أيضا، لما روي ‏(‏أنه عليه الصلاة والسلام أطعم ثلاثة جدات السدس‏)‏ رواه الطحاوي، وتمامه يذكر في فصل الجدات إن شاء الله تعالى‏.‏ الخامسة‏:‏ الأخوات لأب وأم، للواحدة النصف، وللثنتين فصاعدا الثلثان، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 176‏]‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏ فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك‏}‏‏.‏ السادسة‏:‏ الأخوات لأب، وهن كالأخوات لأبوين عند عدمهن، لأن اسم الأخت في الآية يتناول الكل، إلا أن الإخوة والأخوات لأبوين يقدمون لقوة القرابة لأنهم يدلون بجهتين، وعند عدمهم جرينا على قضية النص وللواحدة فصاعدا من الأخوات لأب السدس مع الأخت لأبوين تكملة الثلثين، وهن مع الأخوات لأبوين كبنات الابن مع الصلبيات فيحجبون بالأخ من الأبوين وبالأخ والأخت، ولا يحجبون بالأخت الواحدة كما تقدم، وإذا استكمل الأخوات من الأبوين الثلثين سقط الأخوات من الأب، إلا أن يكون معهن أخ فيعصبهن، والوجه فيه ما مر في بنات الابن‏.‏ السابعة‏:‏ الأخوات لأم، فللواحدة السدس، وللثنتين فصاعدا الثلث، وتمامه مر في الأخ لأم‏.‏ وأما الاثنان من السبب فالزوج والزوجة، فللزوج النصف عند عدم الولد وولد الابن، والربع مع الولد أو ولد الابن، وللزوجة الربع عند عدمهما، والثمن مع أحدهما بذلك نطق صريح الكتاب، والزوجات والواحدة يشتركن في الربع والثمن لقوله تعالى‏:‏‏)‏ فلهن‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 11‏]‏ وهو اسم جمع وعليه الإجماع‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏ميراث من له قرابتان للميت‏]‏

ومن اجتمع فيه قرابتان‏:‏ لو تفرقتا في شخصين ورثا ورث بهما ويجعل كشخصين إذ كل واحدة مستقلة في سبب الاستحقاق‏.‏ مثاله‏:‏ ماتت عن زوج وهو ابن عمها النصف له بالزوجية والباقي بالعمومة‏.‏ ماتت عن ابني عم أحدهما أخ لأم فللأخ السدس بالأخوة والباقي بينهما بالعمومة ولو ماتت عن ابني عم أحدهما زوج فللزوج النصف والباقي بينهما بالعمومة‏.‏ مات عن أختين إحداهما معتقة، فالثلثان بينهما بالأخوة والباقي للمعتقة وهذا بالإجماع‏.‏ أما الجدات، قال أبو يوسف‏:‏ يقسم بينهما باعترا الأبدان، وعند محمد باعتبار الجهات‏.‏ مثاله‏:‏ جدتان إحداهما لها قرابتان كأم أم الأم وهي أم أب أب، والأخرى لها قرابة واحدة كأم أم الأب فالسدس بينهما نصفان عند أبي يوسف وعند محمد أثلاثا‏.‏ وصورته‏:‏ امرأة تزوج ابن ابنها بنت بنتها فأولدها ابنا فهذه أم أم أم هذا الابن وهي أم أب أبيه؛ وكذا لو تزوج ابن بنتها بنت بنت لها أخرى فأولدها ابنا كانت أم أم أمه وأم أم أبيه، فإن تزوج هذا الابن بنت بنت بنت لها أخرى فأولدها ابنا صارت أم أم أم أمه وأم أم أم أبيه، فيكون لها ثلاث جهات؛ ولو تزوج هذا الابن بنت بنت بنت بنت لها أخرى فأولدها ابنا كانت جدة له من أربع جهات، وعلى هذا يمكن تكثير الجهات‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏السهام المفروضة في كتاب الله تعالى‏]‏

‏(‏والسهام المفروضة في كتاب الله تعالى‏:‏ الثمن والسدس وتضعيفهما مرتين‏)‏ فتصير ستة لأن تضعيف الثمن الربع، وتضعيف الربع النصف، وتضعيف السدس الثلث، وتضعيف الثلث الثلثان ‏(‏فالثمن ذكره الله تعالى في فرض الزوجة، والربع في فرضها وفرض الزوج، والنصف في فرض الزوج والبنت والأخت، والسدس في فرض الأم والأب والواحد من ولد الأم، والثلث في فرض الأم والإخوة لأم، والثلثان للبنات والأخوات‏)‏ وأما الكل فإنه ذكره في موضعين‏:‏ أحدهما نصا، وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 176‏]‏ والثاني ذكره اقتضاء وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن كانت واحدة فلها النصف‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 11‏]‏ فيكون للابن الكل ضرورة واقتضاء، والثابت اقتضاء كالنص، فهذه سهام الفرائض لا تخرج عنها فريضة إلا عند العول والرد على ما يأتيك في موضعه، وقد ذكرنا المستحقين لهذه السهام وحالاتهم‏.‏

فصل في العصبات

وهم كل من ليس له سهم مقدر ويأخذ ما بقي من سهام ذوي الفروض، وإذا انفرد أخذ جميع المال ‏(‏وهم نوعان‏:‏ عصبة بالنسب وعصبة بالسبب‏.‏ أما النسبية فثلاثة أنواع‏:‏ عصبة بنفسه، وهو كل ذكر لا يدخل في نسبته إلى الميت أنثى وأقربهم جزء الميت وهم بنوه‏)‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 11‏]‏ قدم الابن في التعصيب على الأب فيكون مقدما على من بعده بطريق الأولى ‏(‏ثم بنوهم وإن سفلوا‏)‏ لدخولهم في اسم الولد‏.‏ روي عن أبي بكر وعلي وابن مسعود وابن عباس وزيد بن ثابت رضي الله عنهم أنهم قالوا‏:‏ أقرب العصبات الابن ثم ابن الابن، والأب وإن كان أقرب من ابن الابن فهو صاحب فرض مع الابن وبنيه، والمعتبر في الترجيح الاستحقاق بجهة التعصيب لا بالفرض كابن الأخ لأب يرث مع الأخت لأبوين وإن كانت أقرب وأقوى جهة‏.‏ ‏(‏ثم أصله وهو الأب‏)‏ لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وورثه أبواه فلأمه الثلث‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 11‏]‏ يعني الباقي للأب فثبت أنه أحق بالتعصيب من الجد والإخوة ولأن من بعده يدلي به ‏(‏ثم الجد‏)‏ وفيه خلاف يأتي في بابه إن شاء الله تعالى ‏(‏ثم جزء أبيه‏)‏ وهم الإخوة لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وهو يرثها إن لم يكن لها ولد‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 176‏]‏ جعله أولى بجميع المال في الكلالة وهو الذي لا ولد له ولا والد ‏(‏ثم بنوهم، ثم جزء جده‏)‏ وهم الأعمام ‏(‏ثم بنوهم، ثم أعمام الأب، ثم بنوهم، ثم أعمام الجد، ثم بنوهم وهكذا‏)‏ لأنهم في القرب والدرجة على هذا الترتيب، فيكونون في الميراث كذلك كما في ولاية الإنكاح، وإذا اجتمعت العصبات فإنه يورّث الأقرب فالأقرب لقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏فلأولي عصبة ذكر‏)‏ ولأن علة الاستحقاق القرب والعيلة في الأقرب أكثر فتقدم كما في النكاح‏.‏ وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي عليه الصلاة والسلام ‏(‏أنه جعل المال للأخ لأب وأم، ثم للأخ لأب، ثم لابن الأخ لأب وأم، ثم لابن الأخ لأب وساق ذلك في العمومة‏)‏ ومن كان منهم لأبوين أولى ممن كان لأب لأنه أقوى قرابة حيث يدلي بجهتين الأب والأم، ولما تقدم من الحديث ولقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏إن أعيان بني الأب والأم يتوارثون دون بني العلات‏)‏ وإذا اجتمع جماعة من العصبة في درجة واحدة يقسم المال عليهم باعتبار أبدانهم لا باعتبار أصولهم‏.‏ مثله‏:‏ ابن أخ وعشرة بني أخ آخر، أو ابن عم وعشرة بني عم آخر، المال بينهم على أحد عشر سهما لكل واحد سهم‏.‏ ‏(‏وعصبة بغيره وهم أربع من النساء يصرن عصبة بإخوتهن، فالبنات بالابن وبنات الابن بابن الابن‏)‏ لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 11‏]‏ ‏(‏والأخوات لأب وأم بأخيهن، والأخوات لأب بأخيهن‏)‏ لقوله تعالى‏:‏‏)‏ وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 11‏]‏‏.‏ ‏(‏وعصبة مع غيره وهم الأخوات لأبوين أو لأب يصرن عصبة مع البنات وبنات الابن‏)‏ لما تقدم من حديث ابن مسعود، ولقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏اجعلوا الأخوات مع البنات عصبة‏)‏‏.‏ مثاله‏:‏ بنت وأخت لأبوين وأخ أو إخوة لأب فالنصف للبنت والنصف للأخت ولا شيء للإخوة، لأنها لما صارت عصبة صارت كالأخ من الأبوين ‏(‏وعصبة ولد الزنا وولد الملاعنة موالي أمهما‏)‏ لأنه لا أب له، والنبي عليه الصلاة والسلام ألحق ولد الملاعنة بأمه فصار كشخص لا قرابة له من جهة الأب فيرثه قرابة أمه ويرثهم، فلو ترك بنتا وأما والملاعن، فللبنت النصف وللأم السدس والباقي يرد عليهما كأن لم يكن له أب، وكذلك لو كان معهما زوج أو زوجة أخذ فرضه والباقي بينهما فرضا وردا، ولو ترك أمه وأخاه لأمه وابن الملاعن فلأمه الثلث ولأخيه لأمه السدس والباقي يرد عليهما ولا شيء لابن الملاعن لأنه لا أخ له من جهة الأب، ولو مات ولد ابن الملاعنة ورثه قوم أبيه وهم الإخوة ولا يرثونه قوم جده وهم الأعمام وأولادهم، وبهذا يعرف بقية مسائله، وهكذا ولد الزنا إلا أنهما لا يفترقان في مسألة واحدة وهو أن ولد الزنا يرث من توأمه ميراث أخ لأم، وولد الملاعنة يرث التوأم ميراث أخ لأب وأم‏.‏ ‏(‏و‏)‏ أما العصبة بسبب ‏(‏المعتق‏)‏ وهو ‏(‏عصبة بنفسه ثم عصبته على‏)‏ ما ذكرنا من ‏(‏الترتيب وهو آخر العصبات‏)‏ لأن عصوبتهم حقيقية وعصوبته حكمية‏.‏ قال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏الولاء لحمة كلحمة النسب‏)‏ ولأنه أحياه معنى بالإعتاق فأشبه الولادة وتمامه يأتي في فصله إن شاء الله تعالى‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏في الحجب‏]‏

الحجب وهو نوعان‏:‏ حجب نقصان، وحجب حرمان، فحجب النقصان هو الحجب من سهم وقد تقدم‏.‏ وأما حجب الحرمان فنقول‏:‏ ‏(‏ستة لا يحجبون أصلا‏:‏ الأب والابن والزوج والأم والبنت والزوجة‏)‏ لأن فرضهم ثابت بكل حال لثبوته بدليل مقطوع به وهو ما تلونا من صريح الكتاب ‏(‏ومن عدا هؤلاء فالأقرب يحجب الأبعد‏)‏ كالابن يحجب أولاد الابن والأخ لأبوين يحجب الإخوة لأب ‏(‏ومن يدلي بشخص لا يرث معه إلا أولاد الأم‏)‏ وقد تقدم وجهه‏.‏ أمثلة ذلك‏:‏ زوج وأخت لأبوين وأخت لأب، للزوج النصف، وللأخت لأبوين النصف، وللأخت لأب السدس تكملة الثلثين، أصلها من ستة تعول إلى سبعة، فإن كان مع الأخت لأب أخ عصبها فلا ترث شيئا فهذا الأخ المشؤوم‏.‏ زوج وأبوان وبنت وبنت ابن أصلها من اثني عشر وتعول إلى خمسة عشر للزوج الربع ثلاثة، وللأبوين السدسان أربعة، وللبنت النصف ستة، ولبنت الابن السدس سهمان، ولو كان مع بنت الابن ابن عصبها فسقطت وتعول إلى ثلاثة عشر، وهذا أيضا أخ مشؤوم‏.‏ أختان لأبوين وأخت لأب فالمال للأختين فرضا وردا، ولا شيء للأخت لأب، فإن كان معها أبوها عصبها فلهما الباقي وهو الثلث للذكر مثل حظ الأنثيين، وهذا الأخ المبارك‏.‏ ‏(‏والمحروم لا يحجب كالكافر والقاتل والرقيق‏)‏ لا نقصانا ولا حرمانا، لأنهم لا يرثون لعدم الأهلية، والعلة تنعدم لفقد الأهلية وتفوت بفوات شرط من شرائطها كبيع المجنون، وإذا انعدمت العلية في حقهم التحقوا بالعدم في باب الإرث‏.‏ وعن ابن مسعود رضي الله عنه‏:‏ أنه يحجب حجب نقصان ويظهر ذلك في مسائل العول ‏(‏والمحجوب يحجب كالإخوة، والأخوات يحجبهم الأب، ويحجبون الأم من الثلث إلى السدس‏)‏ لأن علة الاستحقاق موجودة في حقهم، لكن امتنع بالحاجب وهو الأب فجاز أن يظهر حجبها في حق من يرث معها ‏(‏ويسقط بنو الأعيان‏)‏ وهم الإخوة لأبوين ‏(‏بالابن وابنه وبالأب، وفي الجد خلاف‏)‏ لأنهم أقرب ‏(‏ويسقط بنو العلات‏)‏ وهم الإخوة لأب ‏(‏بهم وبهؤلاء‏)‏ لما بينا وبالحديث ‏(‏ويسقط بنو الأخياف‏)‏ وهم الإخوة لأم ‏(‏بالولد وولد الابن والأب والجد‏)‏ بالاتفاق، لأن شرط توريثهم كون الميت يورث كلالة بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن كان رجل يورث كلالة‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 12‏]‏ الآية، والمراد أولاد الأم لما تقدم، والكلالة من لا ولد له ولا والد، فلا يرث إلا عند عدم هؤلاء‏.‏ ‏(‏وتسقط جميع الجدات‏)‏ الأبويات والأميات ‏(‏بالأم‏)‏ لما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام إنما أعطى الجدة السدس إذ لم يكن للميت أم، ولأن الأمية تدلي إلى الميت بالأم وترث بواسطتها فلا ترث معها لما تقدم أن الأقرب يحجب الأبعد فحجبها نصا وقياسا، أما الأبوية فحجبها نصا لا قياسا لأنها تدلي إلى الميت بالأب وترث فرضه‏.‏ فالقياس أن لا تحجبها الأم ‏(‏وتسقط الأبويات بالأب‏)‏ كالجد مع الأب، وكذلك يسقطن بالجد إذا كن من قبله، ولا تسقط أم الأب بالجد لأنها ليست من قبله؛ فلو ترك أبا وأم أب وأم أم فأم الأب محجوبة بالأب‏.‏ واختلفوا ماذا لأم الأب، قيل لها السدس لأن أم الأب لما انحجبت لا تحجب غيرها، وقيل لها نصف السدس لأنها من أهل الاستحقاق فتحجب وإن حجبت كالإخوة مع الأم ‏(‏والقربى تحجب البعدى وارثة كانت أو محجوبة‏)‏ أما إذا كانت وارثة فظاهر لأنها تأخذ الفريضة فلا يبقى للبعدى شيء، وأما إذا كانت محجوبة، وصورتها ترك أبا وأم أب وأم أم أم، قيل الكل للأب لأنه حجب أمه وهي حجبت أم أم الأم لأنها أقرب منها، وقيل لها السدس لأن أم الأب محجوبة فلا تحجبها، وقد تقدم الوجه فيهما‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏في العول‏]‏

‏(‏العول‏:‏ هو زيادة السهام على الفريضة، فتعول المسألة إلى سهام الفريضة ويدخل النقصان عليهم بقدر حصصهم‏)‏ لعدم ترجيح البعض على البعض كالديون والوصايا إذا ضاقت التركة عن إيفاء الكل يقسم عليهم على قدر حقوقهم، ويدخل النقص على الكل كذا هذا، ولأن الله تعالى لما جمع هذه السهام في مال لا يتسع للكل علمنا أن المراد إلحاق النقص بالكل عملا بإطلاق الجمع فكان ثابتا مقتضى جمع هذه السهام، والثابت بمقتضى النص كالثابت بالنص، وعلى ذلك إجماع الصحابة رضي الله عنهم، إلا ابن عباس على ما نبينه إن شاء الله تعالى‏.‏ ‏(‏واعلم أن أصول المسائل سبعة‏:‏ اثنان وثلاثة وأربعة وستة وثمانية واثنا عشر وأربعة وعشرون، فأربعة منها لا تعول‏:‏ الاثنان والثلاثة والأربعة والثمانية، وثلاثة تعول‏:‏ الستة والاثنا عشر والأربعة والعشرون؛ فالستة تعول إلى عشرة وترا وشفعا، واثنا عشر تعول إلى ثلاثة عشر وخمسة عشر وسبعة عشر، وأربعة وعشرون تعول إلى سبعة وعشرين لا غير‏)‏ أمثلة التي لا تعول‏:‏ زوج وأخت لأبوين، للزوج النصف، وللأخت النصف، وكذلك زوج وأخت لأب، وتسمى اليتيمتين لأنه لا يورث المال بفريضتين متساويتين إلا في هاتين المسألتين بنت وعصبة نصف وما بقي، أصلها من ثنتين‏.‏ أخوان لأم وأخ لأبوين ثلث وما بقي‏.‏ أختان لأب وأم وأخ لأب‏.‏ ثلثان وما بقي أصلها من ثلاثة‏.‏ أختان لأبوين وأختان لأم ثلثان وثلث‏.‏ زوج وبنت وعصبة ربع ونصف وما بقي أصلها من أربعة‏.‏ زوجة وبنت وعصبة ثمن ونصف، وما بقي أصلها من ثمانية‏.‏ زوجة وابن ثمن وما بقي من ثمانية‏.‏ أمثلة العائلة‏:‏ جدة وأخت لأم وأخت لأبوين وأخت لأب، أصلها من ستة وتصح منها جدة وأختان لأم وأخت لأبوين وأخت لأب سدس وثلث ونصف وسدس، أصلها من ستة وتعول إلى سبعة‏.‏ زوج وأم وأخوان لأم نصف وسدس وثلث من ستة، وتسمى مسألة الإلزام لأنها إلزام لابن عباس، لأنه إن قال كما قلنا فقد حجب الأم بأخوين وهو خلاف مذهبه، وإن جعل للأم الثلث وللأخوين السدس فقد أدخل النقص على أولاد الأم وليس مذهبه، وهو خلاف صريح الكتاب، وإن جعل لهما الثلث فقد قال بالعول‏.‏ زوج وأم وأخت لأبوين نصف وثلث ونصف، أصلها من ستة وتعول إلى ثمانية‏.‏ وهي أول مسألة عالت في الإسلام، وقعت في صدر خلافة عمر رضي الله عنه فاستشار الصحابة فيه، فأشار العباس أن يقسم عليهم بقدر سهامهم فصاروا إلى ذلك، وفي رواية أنه قال‏:‏ لا أجد لكم فرضا في كتاب الله ولا أدري من قدّمه الله تعالى فأقدمه، ولا من أخّره فأؤخره، ولكني رأيت رأيا فإن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمني، أرى أن أدخل النقص على الكل فقسم بالعول ولم يخالفه أحد في ذلك إلى أن انتهى الأمر إلى عثمان، فأظهر ابن عباس الخلاف وقال‏:‏ لو قدموا من قدّمه الله وأخروا من أخره الله ما عالت فريضة قط، فقيل له‏:‏ من قدمه الله ومن أخره الله ‏؟‏ قال‏:‏ الزوج والزوجة والأم والجدة ممن قدمه الله، وأما من أخره الله فالبنات وبنات الابن والأخوات لأب وأم، والأخوات لأب، فتارة يفرض لهن وتارة يكن عصبة ويدخل النقص على هؤلاء الأربع‏.‏ ثم قال‏:‏ من شاء باهلته إن شاء الله تعالى، وفي رواية‏:‏ إن الذي أحصى رمل عالج لم يجعل في المال نصفا ونصفا وثلثا، فقيل له‏:‏ هلا ذكرت ذلك في زمن عمر ‏؟‏ قال‏:‏ كان مهيبا فهبته؛ وفي رواية‏:‏ منعتني درته إذ لم يكن لي دليل قطعي، وإنما امتنع لأنه اجتهاد فلم يأمن أن يصير محجوجا، ولو كان دليل ظاهر لما سكت ولما خالف عمر رضي الله عنه وتسمى مسألة المباهلة‏.‏ زوج وأم وأختان لأبوين، أصلها من ستة وتعول إلى ثمانية، زوج وأم وثلاث أخوات متفرقات، أصلها من ستة وتعول إلى تسعة، للزوج ثلاثة، وللأم سهم، وللأخت لأم سهم، وللأخت لأبوين ثلاثة، وللأخت لأب سهم السدس تكملة الثلثين‏.‏ زوج وأم وأختان لأم وأختان لأبوين نصف وثلث وسدس وثلثان، أصلها من ستة وتعول إلى عشرة، وتسمى أم الفروخ لأنها أكثر المسائل عولا فشبهت الأربعة الزوائد بالفروخ، وتسمى أيضا الشريحية، لأن شريحا أول من قضى فيها‏.‏ زوجة وأختان لأبوين وأخ لأب، أصلها من اثني عشر وتصح منها‏.‏ زوجة وجدة وأختان لأبوين ربع وسدس وثلثان، أصلها من اثني عشر وتعول إلى ثلاثة عشر‏.‏ امرأة وأختان لأم وأختان لأبوين ربع وثلث وثلثان، أصلها من اثني عشر وتعول إلى خمسة عشر‏.‏ امرأة وأم وأختان لأم وأختان لأبوين ربع وسدس وثلث وثلثان، أصلها من اثني عشر وتعول إلى سبعة عشر‏.‏ ثلاث نسوة وجدتان وأربع أخوات لأم وثماني أخوات لأبوين، أصلها من اثني عشر وتعول إلى سبعة عشر، وتسمى أم الأرامل لأنه ليس فيها ذكر وهي من المعاياة، يقال‏:‏ رجل مات وترك سبعة عشر دينارا وسبع عشرة امرأة أصاب كل امرأة دينارا‏.‏ امرأة وأبوان وابن، أصلها من أربعة وعشرين وتصح منها‏.‏ امرأة وأبوان وبنتان ثمن وسدسان وثلثان، أصلها من أربعة وعشرين وتعول إلى سبعة وعشرين، وتسمى المنبرية لأن عليا رضي الله عنه سئل عنها وهو على المنبر فقال على الفور‏:‏ صار ثمنها تسعا، ومر على خطبته، ولو كان مكان الأبوين جد وجدة أو أب وجدة فكذلك، وكذا لو كان مكان البنتين بنت وبنت ابن‏.‏ زوجة وأم وأختان لأم وأختان لأبوين وابن كافر أو قاتل أو رقيق، أصلها من اثني عشر وتعول إلى سبعة عشر كما تقدم لأن المحروم وهو الابن لا يحجب‏.‏ وعند ابن مسعود يحجب الابن الزوجة من الربع إلى الثمن، أصلها من أربعة وعشرين وتعول إلى أحد وثلاثين للزوجة الثمن ثلاثة، وللأم السدس أربعة، ولأولاد الأم الثلث ثمانية، وللأختين لأبوين الثلثان ستة عشر وتسمى ثلاثينية ابن مسعود‏.‏ واعلم أن الستة متى عالت إلى عشرة أو تسعة أو ثمانية فالميت امرأة قطعا، وإن عالت إلى سبعة احتمل واحتمل؛ ومتى عالت الاثني عشر إلى سبعة عشر فالميت ذكر، وإلى ثلاثة عشر وخمسة عشر احتمل الأمرين؛ والأربعة والعشرون إذا عالت إلى سبعة وعشرين أو إلى أحد وثلاثين عند ابن مسعود فالميت ذكر‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏في الرد‏]‏

‏(‏والرد ضد العول بأن تزيد الفريضة على السهام ولا عصبة هناك تستحقه فيرد على ذوي السهام بقدر سهامهم إلا على الزوجين‏)‏ وهو مذهب عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم‏.‏ وعن عثمان أنه يرد عن الزوجين، قالوا‏:‏ وهذا وهم من الراوي، فإنه إنما صح عن عثمان رضي الله عنه أنه رد على الزوج لا غير، وتأويله أنه كان ابن عم فأعطاه الباقي بالعصوبة‏.‏ أما الزوجة فلم ينقل عن أحد الرد عليها‏.‏ وقال زيد بن ثابت يوضع الفاضل في بيت المال، وبه قال مالك والشافعي‏.‏ لنا قوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏من ترك مالا أو حقا فلورثته‏)‏ الحديث، ولأن القرابة علة لاستحقاق الكل لأن الميت قد استغنى عن المال، فلو لم ينتقل إلى أحد يبقى سائبة، والقريب أول الناس به فيستحقه بالقرابة صلة، إلا أنها تقاعدت عن استحقاق الكل عند الاجتماع للمزاحمة بالإجماع فبقيت مفيدة له عند الانفراد، فوجب أن يستحق صاحب السهم بقدر سهمه حالة المزاحمة، والفاضل عن سهمه حالة الانفراد، أما الزوجان فقرابتهما قاصرة فلا يستحقان إلا سهمهما إظهارا لقصور مرتبتهما، ولأن الزوجية تزول بالموت فينتفي السبب، وقضيته عدم الإرث أصلا إلا أنا أعطيناهما فرضهما بصريح الكتاب فلا يزاد عليه‏.‏ واعلم أن جميع من يرد عليه سبعة‏:‏ الأم والجدة والبنت وبنت الابن والأخوات من الأبوين والأخوات لأب وأولاد الأم ‏(‏ويقع الرد على جنس واحد وعلى جنسين وعلى ثلاثة‏)‏ ولا يكون أكثر من ذلك، والسهام المردود عليها أربعة‏:‏ الاثنان والثلاثة والأربعة والخمسة ‏(‏ثم المسألة لا يخلو إما إن كان فيها من لا يرد عليه أو لم يكن، فإن لم يكن فإما إن كان جنسا واحدا أو أكثر، فإن كان جنسا واحدا فاجعل المسألة من عدد رؤوسهم، وإن كان جنسين أو أكثر فمن سهامهم وأسقط الزائد‏)‏‏.‏ أمثلة ذلك‏:‏ جدة وأخت لأم، للجدة السدس، وللأخت السدس، والباقي رد عليهما بقدر سهامهما، فاجعل المسألة من عددهم وهو اثنان لاستوائهما في الفرض، أصل المسألة من ستة عادت بالرد إلى اثنين، جدة وأختان لأم، للجدة السدس وللأختين الثلث، فاجعل المسألة من ثلاث وهو عدد رؤوسهم‏:‏ بنت وأم، للبنت النصف ثلاثة، وللأم السدس سهم، اجعلها من أربعة عدد سهامهم‏.‏ أربع بنات وأم، للبنات الثلثان، وللأم السدس، اجعل المسألة من خمسة عدد سهامهم، وإن كان في المسألة من لا يرد عليه وهو الزوج والزوجة، فإن كان جنسا واحدا فأعط فرض من لا يرد عليه من أقل مخارجه، ثم اقسم الباقي عن عدد من يرد عليه إن استقام، كزوج وثلاث بنات، أعط الزوج فرضه الربع من أربعة، والباقي للبنات وهن ثلاثة يصح عليهن؛ وإن لم يستقم عليهم، فإن كان بين رؤوسهم وما بقي من فرض من لا يرد عليه موافقة، فاضرب وفق رؤوسهم في مخرج فرض من لا يرد عليه كزوج وست بنات، للزوج الربع، يبقى ثلاثة لا تستقيم على البنات وبينهم وبين الباقي موافقة بالثلث، فاضرب وفق رؤوسهم وهو اثنان في مخرج فرض من لا يرد عليه وهو أربعة تكون ثمانية، للزوج الربع سهمان يبقى ستة تصح على البنات وإن لم يكن بينهما موافقة كزوج وخمس بنات، فاضرب كل رؤوسهم وهي خمسة في مخرج فرض من لا يرد عليه وهو أربعة يكن عشرين منها تصح؛ وإن كان من لا يرد عليه مع جنسين أو ثلاثة ممن يرد عليهم، فأعط فرض من لا يرد عليه ثم اقسم الباقي على مسألة من لا يرد عليه إن استقام، وإلا فاضرب جميع مسألة من يرد عليه في مخرج فرض من لا يرد عليه فما بلغ صحت منه المسألة‏.‏

ثم اضرب سهام من لا يرد عليه في مسألة من يرد عليه، وسهام من يرد فيما بقي من مخرج فرض من لا يرد عليه‏.‏ مثال الأول‏:‏ زوجة وأربع جدات وست أخوات لأم، للزوجة الربع سهم، يبقى ثلاثة وسهام من يرد عليه ثلاثة فقد استقام على سهامهم‏:‏ ومثال الثاني‏:‏ أربع زوجات وتسع بنات وست جدات، للزوجات الثمن سهم، تبقى سبعة وسهام الرد خمسة لا يستقيم عليها ولاموافقة، فاضرب سهام الرد وهي خمسة في مخرج فرض من لا يرد عليه وهي ثمانية تكن أربعين منها تصح، ثم اضرب سهام من لا يرد عليه وهو واحد في مسألة من يرد عليه وهو خمسة يكون خمسة، وسهام من يرد عليه وهي خمسة فيما بقي من مخرج فرض من لا يرد عليه وهو سبعة يكن خمسة وثلاثين، للبنات أربعة أخماسه ثمانية وعشرون، وللجدات الخمس سبعة‏.‏ مثال آخر‏:‏ زوجة وبنت وبنت ابن وجدة، للزوجة الثمن، يبقى سبعة وسهام الرد خمسة لا يستقيم ولا موافقة، فاضرب سهام من يرد عليه وهي خمسة في مخرج مسألة من لا يرد عليه وهو ثمانية يكن أربعين منها تصح، وإذا أردت التصحيح على الرؤوس فاعمل بالطريق المذكور، والله أعلم‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏في مقاسمة الجد الإخوة‏]‏

في مقاسمة الجد الإخوة قال أكثر الصحابة رضي الله عنهم منهم أبو بكر وابن عباس وأبي بن كعب وعائشة‏:‏ الجد بمنزلة الأب عند عدمه يرث معه من يرث مع الأب ويسقط به من يسقط الأب، وهو قول أبي حنيفة، فجعل الجد أب الأب بمنزلة الأب إلا في مسألتين‏:‏ زوج وأبوان، أو زوجة وأبوان على ما تقدم، وروى عنه الحسن بن زياد أنه بمنزلة الأب فيهما أيضا‏.‏ وعن الصديق أيضا روايتان في هاتين المسألتين‏.‏ وقال علي وابن مسعود وزيد بن ثابت رضي الله عنهم‏:‏ الجد لا يسقط بني الأعيان والعلات ويرثون معه‏.‏ واختلفوا في كيفية توريثهم معه، وكتابنا هذا يضيق عن استيعاب أقوالهم وما يتفرع منها، لكن نذكر مذهب زيد بن ثابت لحاجتنا إلى معرفة قول أبي يوسف ومحمد فإنهما أخذا بقوله‏.‏ وعن ابن عباس أنه لما سمع قول زيد قال‏:‏ ألا يتقي الله زيد ‏؟‏ يجعل ابن الابن ابنا، ولا يجعل أب الأب أبا ‏؟‏ والمختار قول أبي بكر رضي الله عنه لأنه أبعد عن التردد والتوقف ولم تتعارض عنه الروايات وتعارضت عن غيره‏.‏ قال علي رضي الله عنه‏:‏ من أحب أن يقتحم جراثيم جهنم فليقض في الجد والإخوة‏.‏ وروى عبيد السلماني عن عمر رضي الله عنه أنه قضى في الجد بمائة قضية يخالف بعضها بعضا‏.‏ وعنه أنه جمع الصحابة رضي الله عنهم في بيت وقال لهم‏:‏ لا بد أن تتفقوا على شيء واحد في الجد، فقام رجل فقال‏:‏ أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى للجد بالسدس، فقال‏:‏ مع من ‏؟‏ فقال‏:‏ لا أدري، فقال‏:‏ لا دريت، فقام آخر فقال كذلك، ورد عليه كذلك، فسقطت حية من السقف فتفرقوا قبل أن يجمعوا على شيء، فقال عمر رضي الله عنه‏:‏ أبى الله تعالى أن يرتفع هذا الخلاف‏.‏ وعن علي رضي الله عنه أنه كان يقول‏:‏ ألقوا علينا مسائل الفرائض واتركوا الجد، لا حياه الله ولا بياه‏.‏ وعن ابن المسيب مثله‏.‏ واعلم أن الجد الصحيح الوارث لا يكون إلا واحدا لأنه لا يكون إلا من جهة الأب، والأقرب يسقط الأبعد‏.‏ قال زيد بن ثابت رضي الله عنه‏:‏ إذا اجتمع الجد والإخوة كان الجد كأحدهم يقاسمهم ما لم تنقصه المقاسمة من الثلث، فإن نقصته فرض له الثلث والباقي بين الإخوة للذكر مثل حظ الأنثيين‏.‏ مثاله‏:‏ جد وأخ المال بينهما نصفان لأن المقاسمة خير له‏.‏ جد وأخوان المال بينهما أثلاثا لأن المقاسمة والثلث سواء‏.‏ جد وثلاثة إخوة يفرض له الثلث والباقي بين الإخوة لأن المقاسمة تنقصه من الثلث فإن كان معهم صاحب فرض يعطى فرضه ثم ينظر في الباقي‏.‏ للجد ثلاثة أحوال‏:‏ المقاسمة أو ثلث ما بقي أو سدس جميع المال فيعطي ما هو خير له منها والباقي بين الإخوة للذكر مثل حظ الأنثيين‏.‏ مثاله‏:‏ زوج وجد وأخ للزوج النصف والباقي بين الجد والأخ لأن القسمة خير له، وكذلك مع الزوجة‏.‏ جدة وجد وأخوان وأخت، للجدة السدس، وللجد ثلث ما بقي لأنه لا خير له‏.‏ جدة وبنت وجد وأخوان، للجدة السدس، وللبنت النصف، وللجد السدس لأنه خير له‏.‏ زوج وأم وجد وأخ، للزوج النصف، وللأم الثلث، والباقي وهو السدس للجد ويسقط الأخ، وبنو العلات مع الجد كبني الأعيان، فإن اجتمعوا مع الجد، قال زيد بن ثابت رضي الله عنه‏:‏ يعدون معهم على الجد ليظهر نصيبه وتسمى

فصل‏:‏ ‏[‏في المعادّة‏]‏

المعادّة، فإذا أخذ الجد نصيبه يرد بنو العلات ما وقع لهم إلى بني الأعيان ويخرجون بغير شيء إلا إذا كان من بني الأعيان أخت واحدة فتأخذ النصف بعد نصيب الجد، فإن بقي شيء أخذه بنو العلات‏.‏ مثاله‏:‏ جد وأخ لأب وأم وأخ لأب، المال بينهم أثلاثا، ثم يرد‏:‏ الأخ لأب على الأخ لأبوين نصيبه فيبقى للأخ من الأبوين الثلثان؛ ولو كان معهم زوجة فلها الربع والباقي بينهم أثلاثا، ويرد الأخ لأب ما وقع له إلى الأخ لأبوين؛ ولو كان مكان الزوجة زوج فله النصف والباقي بنهم أثلاثا على الوجه الذي تقدم‏.‏ جد وأخت لأبوين وأخت لأبوين وأخت لأب، للجد النصف،

وللأختين النصف وتأخذه الأخت لأبوين؛ ولو كانت أختين لأب والمسألة بحالها فللجد الخمسان، وللأخت لأبوين الخمس، وللأختين لأب الخمسان ثم يردان على الأخت لأبوين تتمة النصف خمس ونصف ويبقى لهما نصف خمس‏.‏ أصل المسألة من خمسة تضرب في اثنين لحاجتنا إلى النصف تصير عشرة، للجد أربعة، وللأخت لأبوين سهمان، وللأختين لأب أربعة، ثم يردان إلى الأخت لأبوين ثلثه تكملة النصف يبقى لهما سهم لا يستقيم عليهما، فاضرب اثنين في عشرة تكن عشرين منها تصح‏.‏ جد وأخت لأبوين وأخ لأب المال بينهم أخماسا، ويرد الأخ على الأخت إلى تمام النصف يبقى معه نصف سهم وهو العشر؛ ولو كان معه أخت، فللجد سدسان، وللأخت من الأبوين السدس، وللأخ وأخته ثلثه فيردان عليهما تتمة النصف يبقى معهما سدس‏.‏ جد وأختان لأبوين وأختان لأب، للجد الثلث ولكل فريق الثلث، ثم يرد أولاد الأب ثلثهم على أولاد الأبوين‏.‏ أم وجد وأخت لأبوين وأخوان وأخت لأب، أصلها من ستة للأم سهم وثلث الباقي خير للجد، وليس للباقي ثلث صحيح، فاضرب ثلاثة في ستة تكن ثمانية عشر للأم ثلاثة، وللجد خمسة، وللأخت من الأبوين النصف تسعة، يبقى سهم واحد لأولاد الأب وهم خمسة، فاضرب خمسة في ثمانية عشر تكون تسعين منها تصح وتسمى تسعينية زيد‏.‏ أم وجد وأخت لأبوين وأخ وأخت لأب، أصلها من ستة، للأم سهم يبقى خمسة لا تستقيم على ستة، فاضرب ستة في ستة تكن ستة وثلاثين، للأم السدس ستة، وللجد ثلث ما بقي عشرة، وللأخت من الأبوين نصف الجميع وهو ثمانية عشر، بقي لأولاد لأب سهمان وهم ثلاثة، فاضرب ثلاثة في ستة وثلاثين يكن مائة وثمانية منها تصح، إلا أن بين السهام موافقة بالأنصاف فترجع إلى أربعة وخمسين‏.‏ ووجهه أن المقاسمة وثلث ما بقي واحد في حق الجد فأعط الأم نصيبها من ثمانية عشر ثلاثة والجد ثلث ما بقي خمسة، والأخت من الأبوين نصف الجميع تسعة، يبقى سهم لا يستقيم على أولاد الأب، فاضرب ثلاثة في ثمانية عشر تكن أربعة وخمسين منها تصح وتمسى مختصرة زيد، فحصل من أصل زيد أنه يقول بالمقاسمة ما لم ينقصه من الثلث، ومع صاحب الفرض ينظر له أصلح الأحوال الثلاثة، ويعد ولد الأب على الجد إضرارا به، ولا يفرض للأخوات المنفردات مع الجد ويجعلهن عصبة، ولا يقول بالعول بناء على أنهن عصبة، وقد خالف هذا الأصل في المسألة الأكدرية، وهي زوج وأم وجد وأخت لأب أو لأبوين، للزوج النصف، وللأم الثلث، وللجد السدس، وللأخت النصف، ثم يضم الجد نصيبه إلى نصيب الأخت فيقتسمان الذكر مثل حظ الأنثيين، أصلها من ستة تعول إلى تسعة، للزوج ثلاثة، وللأم سهمان، وللأخت ثلاثة، وللجد سهم، وما في يد الجد والأخت أربعة لا تستقيم على ثلاثة، فاضرب ثلاثة في تسعة يكن سبعة وعشرين منها تصح؛ ولو كان مكان الأخت أخ فلا عول ولا أكدرية، لأنه يكون للزوج النصف، وللأم الثلث، وللجد السدس، ويسقط الأخ؛ وكذا لو كان مع الأخ أخت لأنها تصير عصبة بأخيها‏.‏ سميت أكدرية لأنها واقعة امرأة من بني أكدر، أو لأنها كدرت على زيد مذهبه من ثلاثة أوجه‏:‏ أعال بالجد، وفرض للأخت، وجمع سهام الفرض وقسمها على التعصيب، وإنما فرض لها ولم يجعلها عصبة لأنه لم يبق لها شيء، ولا وجه إلى القسمة لأنه ينقص نصيب الجد من السدس فصار إلى ما ذكرنا ضرورة‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏ميراث الجدات‏]‏

الجدات وقد سبق ذكر الجدة الصحيحة من الفاسدة وميراثها عند الانفراد والاجتماع وأحكام الحجب بين الجدات، وهذا الفصل لبيان مراتب الجدات ومعرفتها‏.‏ اعلم أن الجدات على مراتب‏:‏ الأولى جدتا الميت وهما أم أمه وأم أبيه وهما وارثتان‏.‏ الثانية أربع جدات‏:‏ جدتا أبيه، وجدتا أمه؛ فجدتا أبيه أم أب أبيه، وأم أم أبيه‏.‏ وجدتا أمه، أم أم أمه، وأم أب أمه، والكل وارثات إلا الأخيرة لأنها فاسدة فإنه دخل في نسبتها أب بين أمين‏.‏ الثالثة ثمان جدات، جدتا أب أبيه وهما‏:‏ أم أب أب أبيه، وأم أم أب أبيه وهما وارثتان؛ وجدتا أم أبيه وهما‏:‏ أم أم أم أبيه وهي وارثة، وأم أب أم أبيه وهي ساقطة؛ وجدتا أب أمه وهما‏:‏ أم أم أب أمه، وأم أب أب أمه وهما ساقطتان؛ وجدتا أم أمه وهما‏:‏ أم أم أم أمه وهي وارثة، وأم أب أم أمه وهي ساقطة، فإن كان لكل واحدة منهن جدتان يصرن ستة عشر وهي المرتبة الرابعة، وإن كان لكل واحدة من الستة عشر جدتان يصرن اثنين وثلاثين وهكذا إلى ما لا يتناهى، والجدات الثابتات على ضربين متحاذيات متساويات في الدرجة‏.‏ ومتفاوتات وطريق معرفة المتحاذيات الوارثات أن يلفظ بعددهن أمهات ثم تبدل الأم الأخيرة أبا في كل مرة إلى أن لا تبقى إلا أم واحدة، وتصور ذلك في خمس جدات متحاذيات وقس عليه فنقول‏:‏ ميت أم أم أم أم أم أم أم أم أم أب أم أم أم أب أب أم أم أب أب أب أم أب أب أب أب وأما المتفاوتات في الدرجة فالقربى تحجب البعدى على ما مر في الحجب، ولو سألت عن عدد جدات وارثات كم بإزائهن ساقطات، فخذ عدد المسؤول عنه بيمينك، ثم انقص منه اثنين وخذهما بيسارك، ثم ضعّف ما في يسارك بعدد ما في يمينك فما بلغ فاطرح المسؤول منه فما بقي فهي ساقطة‏.‏ مثاله‏:‏ سئلت عن أربع جدات خذها بيمينك ثم انقص منه اثنين وخذهما بيسارك، ثم ضعّف ما في يسارك بعدد ما في يمينك يكن ثمانية، اطرح منه عدد المسؤول وهو أربعة تبقى أربعة فهي ساقطة؛ ولو سئلت عن ثلاثة خذها بيمينك ثم انقص منه اثنين وخذهما بيسارك ثم ضعّف ما في يسارك بعدد ما بقي في يمينك يكن أربعة اطرح منه عدد المسؤول عنه وهو ثلاثة بقي واحدة ساقطة‏.‏ واعلم أنه لا يتصور الجدة الوارثة من قبل الأم إلا واحدة، لأن الصحيحات منهن أن لا يدخل بين أمين أب فكانت الوارثة أم الأم وإن علت‏.‏ والقربى تحجب البعدى فلا ترث إلا جدة واحدة كما ذكرنا في الجد‏.‏ وأما الأبويات فيتصور أن يرث الكثير منهن على ما صورت لك، ولا يرث مع الأب إلا جدة واحدة من قبل الأم، لأن الأبويات يحجبن به، ولا يرث مع الجد إلا جدتان‏:‏ إحداهما من قبل الأم والثانية أم الأب، ولا يرث مع أب الجد إلا ثلاث وإحداهن من قبل الأم، والثانية أم أم الأب، والثالثة أم أب الأب، وعلى هذا كلما زاد في درجة الأجداد زاد في درجة الجدات وارثة‏.‏

فصل‏:‏ في ذوي الأرحام

قال عامة الصحابة رضي الله عنهم بتوريث ذوي الأرحام وهو مذهبنا‏.‏ وقال زيد بن ثابت‏:‏ لا ميراث لهم ويوضع في بيت المال، وبه قال مالك والشافعي‏.‏ لنا قوله تعالى‏:‏ ‏)‏ وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 75‏]‏ أي أولى بميراث بعض بالنقل‏.‏ وقال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏الخال وارث من لا وارث له‏)‏‏.‏ وروي أن ثابت بن الدحداح مات، فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام لعاصم بن عدي‏:‏ ‏(‏هل تعرفون له فيكم نسبا ‏؟‏‏)‏ فقال‏:‏ إنما كان آتيا فينا‏:‏ أي غريبا، فجعل ميراثه لابن أخته أبي لبابة بن عبد المنذر‏.‏ ولأن أصل القرابة سبب لاستحقاق الإرث على ما بيناه، إلا أن هذه القرابة أبعد من سائر القرابات فتأخرت عنها، والمال متى كان له مستحق لا يجوز صرفه إلى بيت المال، ولأن سائر المسلمين يدلون إليه بالإسلام، وهؤلاء يدلون به وبالقرابة، والمدلي بجهتين أولى كبني الأعيان مع بنات العلات ‏(‏وذوو الأرحام كل قريب ليس بذي سهم ولا عصبة، وهم كالعصبة من انفرد منهم أخذ جميع المال‏)‏ لأنهم يدلون بالقرابة وليس لهم سهم مقدّر فكانوا كالعصبات ‏(‏والأقرب يحجب الأبعد‏)‏ كالعصبات حتى من هو أقرب إلى الميت من أي صنف كان فهو أولى‏.‏ مثاله‏:‏ بنت بنت بنت وأب أم فهو أولى لأنه أقرب‏.‏ أب أب أم وعمة أو خالة فهي أولى لأنها أقرب‏.‏ وذكر رضي الدين النيسابوري في فرائضه أنه لا يرث أحد من الصنف الثاني وإن قرب وهناك واحد من الصنف الأول وإن بعد، وكذا الثالث مع الثاني والرابع مع الثالث، قال‏:‏ وهو المختار للفتوى، والمعمول عليه من جهة مشايخنا تقديم الصنف الأول مطلقا ثم الثاني ثم الثالث ثم الرابع‏.‏ قال‏:‏ وهكذا ذكره الأستاذ الصدر الكوفي في فرائضه، فعلى هذا بنت البنت وإن سفلت أولى من أب الأم، وهم أربعة أصناف‏:‏ صنف ينتمي إلى الميت‏.‏ ‏(‏وهم أولاد البنات، وأولاد بنات الابن‏)‏ وصنف ينتمي إليهم الميت ‏(‏و‏)‏ هم ‏(‏الجد الفاسد، والجدات الفاسدات‏)‏ وصنف ينتمي إلى أبوي الميت ‏(‏و‏)‏ هم ‏(‏أولاد الأخوات كلهن، وبنات الإخوة كلهم، وأولاد الإخوة لأم‏)‏ وصنف ينتمي إلى جدي الميت ‏(‏و‏)‏ هم ‏(‏الأخوال والخالات والأعمام لأم، والعمات وبنات الأعمام كلهم وأولاد هؤلاء ومن يدلي بهم، وأولاهم الصنف الأول‏)‏ لأن قرابة الولاد أقرب من غيرهم كما في الأصول ‏(‏ثم الصنف الثاني‏)‏ وقالا‏:‏ الصنف الثالث أولى من الثاني لأنهم أولاد عصبة أو ذي سهم، والأصل في ذوي الأرحام إذا استووا في الدرجة أن يقدم ولد وارث‏.‏ ولأبي حنيفة رحمه الله أن الصنف الثاني له زيادة اتصال باعتبار الجزئية لأنهم أصوله، وزيادة القرب أولى مما ذكر، لأن علة الاستحقاق القرب، والعلة تترجح بالزيادة من جنسها‏.‏ الصنف الأول‏:‏ أقربهم إلى الميت أولى كبنت بنت وبنت بنت بنت، المال للأولى لأنها أقرب، وإن استووا في القرب فمن كان له ولد وارث أولى، لأن له زيادة في القرب باعتبار أصله كبنت بنت بنت وبنت بنت ابن، المال للثانية لأنها ولد صاحب سهم بنت بنت أخ وبنت ابن أخ، المال للثانية لأنها ولد عصبة وارث؛ فإن كان أحدهما يدلي بوارث لا بنفسه بل بواسطة فهما سواء‏.‏ مثاله‏:‏ بنت بنت بنت بنت وبنت بنت بنت ابن، هما سواء لأن كل واحد يدلي إلى الميت بواسطة، والعلة هي القرب فلا يترجح بالإدلاء، وإن كان أحدهم أقرب والآخر أبعد ولكنه يدلي بوارث فالأقرب أولى، لأن العلة هي القرابة فتترجح بزيادة القرب كالعصيات إذا استووا يطلب الترجيح بزيادة القرب كذا هنا‏.‏ مثاله‏:‏ بنت بنت بنت وبنت بنت بنت ابن، المال للأولى لأنها أقرب؛ وكذلك خالة وبنت عم، الخالة أولى؛ وإن استووا في القرب والإدلاء، فإن اتفقت الآباء والأمهات فالمال بينهما على السواء إن كانوا ذكورا أو إناثا، وإن كانوا مختلطين فللذكر مثل حظ الأنثيين‏.‏ مثاله‏:‏ بنت بنت ابن وبنت بنت ابن، المال بينهما على السواء؛ وكذلك ابن بنت بنت وابن بنت بنت‏.‏ بنت بنت بنت وابن بنت بنت، المال بينهما أثلاثا‏.‏ وإن اختلفت الأمهات والآباء فعند أبي يوسف وهو رواية عن أبي حنيفة العبرة لأبدانهم لا لأصولهم‏.‏ وعن محمد وهو أشهر الروايتين عن أبي حنيفة العبرة لأصولهم فيقسم المال على أصولهم ويعتبر الأصل الواحد متعددا بتعدد أولاده، ثم يعطي لكل فرع ميراث أصله، ويجعل كل أنثى تدلي إلى الميت بذكر ذكرا، وكل ذكر يدلي إلى الميت بأنثى أنثى، سواء كان إدلاؤهما بأب واحد أو بأكثر، أو بأم واحدة أو بأكثر، ثم يقسم سهام كل فريق بينهم بالسوية إن اتفقت صفاتهم، وإن اختلفت فللذكر مثل حظ الأنثيين‏.‏ لمحمد أن الفروع إنما تستحق الميراث بواسطة الأصول فيجب أن تكون العبرة للأصول‏.‏ ولأبي يوسف أن ذوي الأرحام إنما يرثون بالقرابة كالعصبات، وكل واحد مستبد بنفسه في أصل الاستحقاق، فتعتبر الأبدان كالعصبات‏.‏ مثاله‏:‏ بنت بنت ابن وابن بنت ابن، المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين بالإجماع‏.‏ بنت بنت بنت وبنت ابن بنت، المال بينهما نصفان عند أبي يوسف باعتبار الأبدان‏.‏ وعند محمد أثلاثا باعتبار الأصول كأنه مات عن بنت بنت وابن بنت، ثم ينقل نصيب الابن إلى ابنته ونصيب البنت إلى بنتها‏.‏ بنت ابن بنت وابن بنت بنت، عند أبي يوسف المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، وعند محمد للبنت سهمان وللابن سهم‏.‏ بنتا ابن بنت وابن بنت بنت، عند أبي يوسف ظاهر، وعند محمد للابن خمس المال، وأربعة أخماسه للبنتين كأنه مات عن ابني بنت وبنت بنت‏.‏ بنت بنت بنت وابن بنت بنت وبنت ابن بنت وابن ابن بنت، عند أبي يوسف ظاهر‏.‏ وعند محمد يقسم على الآباء على ستة للأولين سهمان لإدلائهما إلى الميت بأنثى فيكون بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، وللآخرين أربعة لإدلائهما إلى الميت بذكر فيكون بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، فصار المال بين الفريقين أثلاثا فقد انكسر بالأثلاث، فاضرب ثلاثة في ثلاثة يكن تسعة منها تصح‏.‏ وإن وقع الاختلاف في بطن أو أكثر فأبو يوسف مر على أصله؛ ومحمد يقسم المال على أول خلاف يقع، فما أصاب الذكور ينقل إلى فروعهم، وما أصاب الإناث ينقل إلى فروعهن مع اعتبار الاختلاف في البطن الثاني على الوجه الذي اعتبر في البطن الأول حتى ينتهي إلى الأولاد الأحياء، فيقسم على اعتبار أبدانهم‏.‏ مثاله‏:‏ ميت بنت بنت بنت بنت بنت بنت ابن بنت بنت ابن بنت بنت ابن بنت بنت بنت فعند أبي يوسف المال بينهم على خمسة‏:‏ خمسان للابن، ولكل بنت خمس‏.‏ وعند محمد على عشرة، للأولى سهم، وللثانية أربعة، وللثالثة ثلاثة، وللرابع سهمان، لأنه يعتبر الخلاف في أول بطن وقع وفيه ابن بنت وثلاث بنات بنت فيقسم عليهم، ثم ما أصاب الابن وهو خمسان يصيران إلى ابنته، وما أصاب البنات وهو ثلاثة أخماس يصير إلى أولادهن، وهم ابن وبنتان للذكر مثل حظ الأنثيين، فيكون للابن خمس ونصف، وللبنتين خمس ونصف، ثم ينقل نصيب الابن إلى بنته، ونصيب البنتين إلى ولديهما وهما ابن وبنت للذكر مثل حظ الأنثيين، فيكون للابن خمس، وللبنت نصف خمس وهو عشر فيصح من عشرة، ومن له قرابة من جهتين من ذوي الأرحام فله سهمان، ومن له قرابة واحدة فسهم عند محمد اعتبارا بالأصول، وعند أبي يوسف هما سواء لأنهم يرثون بالتعصيب وذلك لا يختلف كالعصبات حقيقة‏.‏ مثاله‏:‏ بنت بنت بنت وبنت بنت بنت هي بنت ابن بنت أخرى؛ فعند أبي يوسف المال بينهما نصفان؛ وعن محمد لذي القرابة سهم، ولذي القرابتين ثلاثة لما مر‏.‏ ولو كان مكان البنت من جهتين ابن، فعند أبي يوسف للذكر مثل حظ الأنثيين؛ وعند محمد لذات قرابة سهم، ولذي قرابتين ثلاثة سهمان من قبل أصله الذكر ويسلم له لتفرده بذلك الأصل، وسهم من قبل أصل الأنثى فيضمه إلى ما في يد ذات قرابة فيقسمان السهمين للذكر مثل حظ الأنثيين لاتحاد أصلهما في هذين السهمين واختلاف أبدانهما على ثلاثة، فاضرب ثلاث في أربعة تكن اثني عشر منها تصح‏.‏ الصنف الثاني‏:‏ وأولاهم أقربهم إلى الميت كأب أم، وأب أم أم، وأب أم أب، المال كله لأب أم، فإن استووا في القرب فالإدلاء بوارث ليس بأولى في أصح الروايتين، لأن السبب للاستحقاق القرابة دون الإدلاء بوارث‏.‏ مثاله‏:‏ أب أم أم، وأب أب أم هما سواء؛ إن كانوا ذكورا أو إناثا، وإن اختلطوا فللذكر مثل حظ الأنثيين؛ وإن كانوا من جهتين فلقوم الأم الثلث، ولقوم الأب الثلثان‏.‏ مثاله‏:‏ أب أم أب وأب أب أم، للأول الثلثان، وللثاني الثلث‏.‏ وإذا كان لأب الميت جدان من جهتين وكذلك لأمه، فلقوم الأب الثلثان، ولقوم الأم الثلث، ثم ما أصاب قوم الأب ثلثاه لقرابته من جهة أبيه، وثلثه لقرابته من جهة أمه، وكذلك ما أصاب قوم الأم‏.‏ وروى الحسن عن أبي حنيفة ما أصاب قوم الأب كله لقرابته من قبل أبيه، وما أصاب قوم الأم فلقرابتها من قبل أبيها أيضا‏.‏ مثاله‏:‏ أب أم أب أب، وأب أب أم أب، وأب أم أب أم، وأب أب أم أم، فللأولين الثلثان، وللآخرين الثلث لما بيناه‏.‏ الصنف الثالث، وهو ثلاثة أنواع‏:‏ الأول بنات الإخوة وأولاد الأخوات لأب وأم وأولادهم‏.‏ والثاني بنات الإخوة وأولاد الأخوات لأب وأولادهم‏.‏ والثالث أولاد الإخوة والأخوات لأم وأولادهم‏.‏ فإن كانوا من النوع الأول أو الثاني فهم كالصنف الأول في تساوي الدرجة والقرب والإدلاء بوارث والقسمة‏.‏ وإن اختلفا في ذلك، فعند أبي يوسف تعتبر الأبدان، وعند محمد تعتبر الأبدان ووصف الأصول‏.‏ وإن كانوا من النوع الثالث فالمال بينهم بالسوية ذكرهم وأنثاهم فيه سواء اعتبارا بأصولهم، ولا خلاف فيه إلا ما روي شاذا عن أبي يوسف أنه يقسم للذكر مثل حظ الأنثيين‏.‏ وإن كانوا من الأنواع وتساووا في الدرجة فالمدلي بوارث أولى؛ ثم عند أبي يوسف من كان منهم لأب وأم أولى ثم لأب ثم لأم؛ وعند محمد يقسم المال على أصولهم وينقل نصيب كل أصل إلى فروعه‏.‏ مثاله‏:‏ ثلاث بنات أخوات متفرقات، عند أبي يوسف المال كله لبنت الأخت لأبوين؛ وعند محمد لها ثلاثة أخماس، ولبنت الأخت من الأب خمس، ولبنت الأخت لأم خمس باعتبار الأصول فرضا وردا‏.‏ ثلاث بنات إخوة متفرقين، عند أبي يوسف كل المال لبنت الأخ من الأبوين؛ وعند محمد لبنت الأخ من الأم السدس، والباقي لبنت الأخ من الأبوين‏.‏ بنت أخت لأب وبنت أخت لأم، المال للأولى عند أبي يوسف لأنها أقوى؛ وعند محمد لها ثلاثة أرباع، وللأخرى الربع فرضا وردا اعتبارا بالأصول‏.‏ ابنا أخت لأبوين وبنت أخت لأم، عند أبي يوسف المال للابنين؛ وعند محمد ابنا أخت كأختين، فيقسم المال بينهم على خمسة، وأولاد هؤلاء كأصولهم المدلي بوارث أولى إذا استووا‏.‏ مثاله‏:‏ ابن ابن أخ لأم، وابن بنت أخ لأبوين، وبنت ابن أخ لأب، المال للبنت لأنها تدلي بوارث‏.‏ الصنف الرابع‏:‏ أقربهم إلى الميت أولاهم، فعمة الأب أولى من عمة الجد، وإن استووا فمن كان لأب وأم أولى، ثم من كان لأب، ثم من كان لأم؛ فالعمة لأبوين أولى من العمة لأب ومن العمة لأم، والعمة لأب أولى من العم والعمة لأم، والخالات والأخوال على هذا الترتيب‏.‏ وإن تساووا في القرابة وهم من جنس واحد فالمال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين‏.‏ وإن اجتمع الجنسان العمومة والخؤولة، فالثلثان لجانب العمومة والثلث لجانب الخؤولة كيف كانوا في العدد والذكورة والأنوثة‏.‏ مثاله‏:‏ عمه وعشرة أخوال، للعمة الثلثان، وللأخوال الثلث‏.‏ عمه وخال أو خالة، للعمة الثلثان وللخالة الثلث؛ والقياس أن لا يكون للخال والخالة شيء، لأن قرابة الأب أقوى كما لا شيء للعمة لأم مع العمة لأب، إلا أنا تركنا القياس بإجماع الصحابة، فإنهم قالوا‏:‏ للعمة الثلثان وللخالة الثلث، ولأن العمة لما كانت جهة الأب فهي كالأب والخالة كالأم، فصار كأنه ترك أبا وأما فيقسم بينهما أثلاثا كذا هذا، بخلاف ما ذكر لأن العمات كلهن من جهة الأب، والعمة لأب أقوى من العمة لأم فلا ترث معها كالأعمام، وذو قرابتين من أحد الجنسين لا يحجب ذا القرابة الواحدة من الجنس الآخر، لأن الصحابة رضي الله عنهم جعلوا الميراث بين الخالة والعمة أثلاثا مطلقا فيجري الإجماع على الإطلاق‏.‏ مثاله‏:‏ عمة لأبوين وخالة لأب، الثلثان للعمة، والثلث للخالة‏.‏ وروى ابن سماعة عن أبي يوسف المال كله للعمة‏.‏ خالة لأبوين وعمة لأب كذلك‏.‏ وعن أبي يوسف المال كله للخالة؛ وإذا اجتمع الجنسان من جهة الأب والجنسان من جهة الأم فالثلثان لقرابتي الأب، والثلث لقرابتي الأم، ثم ما أصاب قرابة الأب ثلثاه لقرابة أبيه، وثلثه لقرابة أمه، وما أصاب قرابة الأم كذلك‏.‏ مثاله‏:‏ عمة الأب وخالته وعمة الأم وخالتها، الثلثان للعمتين بينهما أثلاثا، والثلث للخالتين بينهما أثلاثا وقد انكسر بالأثلاث فاضرب ثلاثة في ثلاثة تكن تسعة منها تصح وأولاد هذه الأصناف حكمهم حكم آبائهم في جميع ما ذكرنا عند عدم آبائهم، والله الموفق‏.‏